محمد حسين علي الصغير

40

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

الإنساني في النظرة المشتركة إلى العلاقة الضرورية في مجالات الألفاظ والمعاني ، فيقول : « إن اليد تقع للنعمة وأصلها الجارحة لأجل أن الاعتبارات اللغوية تتبع أحوال المخلوقين وعاداتهم وما يقتضيه ظاهر البنية وموضوع الجبلة ، ومن شأن النعمة أن تصدر عن اليد ، ومنها تصل إلى المقصود بها والموهوبة هي منه . . . إلخ » « 1 » وهو بذلك يصور لنا المناسبة بين اليد بوصفها جارحة ، واليد بوصفها نعمة ، وعلاقة هذه المناسبة في حقيقتها في الأولى ، ومجازيتها في الثانية ، وأن لا بدّ من ملاحظة ذلك في مثل هذه الحالة الاستعمالية ، فكأنه يستشعر لمح الصلة بين أصل اللفظ وبين المعنى الثانوي له ، ومن ثم يعود إلى تأكيد المناسبة بين اللغة والاصطلاح في اشتقاق المجاز ، متناولا المناسبة بين الحقيقة والمجاز أيضا . « وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول فهي مجاز ، وإن شئت قلت : كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع إلى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوز إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهي مجاز » « 2 » . كان هذا ملخصا فيما أبداه عبد القاهر في أسرار البلاغة ، ويثني على الموضوع في دلائل الإعجاز بصيغة مقتضبة ينقل فيها ، ولكنه هنا يختصر الحد الاصطلاحي فيقول « وأما المجاز فقد عول الناس في حده على حديث النقل ، وإن كل لفظ نقل عن موضوعه فهو مجاز » « 3 » . والحق أن ابن جني ( ت : 392 ه ) قد سبق إلى موضوع النقل ، وأكده في تعريفه للحقيقة وتحديده للمجاز فالحقيقة « ما أقر في الاستعمال عن أصل وضعه في اللغة ، والمجاز ما كان بضد ذلك » « 4 » .

--> ( 1 ) عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة : 365 . ( 2 ) نفس المصدر : 325 . ( 3 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 53 . ( 4 ) ابن جني ، الخصائص : 2 / 442 .